آداب مزاولة التجارة في الإسلام

آداب التجارة في الإسلام
 

لا يماري أحد في زماننا في تقلص الوازع الديني أو انحساره لدى طوائف من الناس، أعماهم حب الدنيا وجمع المال بحيث لا يرون غير ذلك، ونتيجة لهذا فإن أمثال هؤلاء قد يدفعهم حرصهم على جمع المال إلى أن يجعلوا الغش والتدليس والكذب أسلوب حياتهم ومنهجهم بها، بحيث لا يسلم أحد من تدليسهم وغشهم وتمويههم، وتأتي مزاولة التجارة ضمن المهن التي يتصور في أكثر ممارساتها ذلك، ويرد الخطر من تعامل الناس مع بعض التجار الذين يمارسون هذا الأسلوب عند بيعهم سلعة تشتد حاجة الناس إليها أو يضطرون إلى ابتياعها منهم، إن كانت تمثل حاجة أو ضرورة من ضروريات حياتهم.


ولذا فقد وضع الشارع آدابا لمزاولة التجارة، جاء أكثرها في صورة نواه وبعضها في صورة أوامر، ومن ذلك ما يلي:


التزام الصدق عند التعامل بيعا وشراء ونحوهما



يدل على هذا ما روي عن رفاعة بن رافع الأنصاري رضي الله عنه : «أنه خرج مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى البقيع والناس يتبايعون، فنادى يا معشر التجار، فاستجابوا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ورفعوا أعناقهم وأبصارهم، فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى الله وبر وصدق»(سنن الترمذي)، مما يدل على طلب الشارع الصدق من المتعاملين والبر في معاملاتهم مع غيرهم.
وقد حض رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على الصدق عامة، فقد روي عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: «إن الصدق يهدي الى البر، وإن البر يهدي الى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا، وإن الكذب يهدي الى الفجور، وان الفجور يهدي الى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا»(صحيح البخاري).




عدم الغش أو التدليس


ومن آداب مزاولة التجارة عدم غش التاجر من يتعامل معهم وعدم تدليسه عليهم فيما يبيع لهم، يدل على هذا ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن النبي (صلى الله عليه وسلم) مر على صبرة طعام، فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟، قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني»(صحيح مسلم)، وما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «مر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) برجل يبيع طعاما، فأدخل يده فإذا هو مبلول، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ليس منا من غش»(صحيح أبي داود)، وهذا غش قصد منه إيهام الناس بأن الطعام صالح للاستعمال الآدمي، إلا أنه في الحقيقة ليس كذلك، وفيه إضرار بصحتهم واضاعة لأموالهم، وقد نهى الشارع عن ذلك.




البيان وعدم الكتمان


وبيان ما في المبيع واجب وخاصة فيما يتعلق بالعيوب التي تؤثر في الانتفاع به، والتي تخل بمقصود المشتري من شرائه، إذ روي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: «المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا فيه عيب إلا بيّنه له»(صحيح ابن ماجه)، وعن أبي سباع رضي الله عنه قال: «اشتريت ناقة من دار واثلة بن الأسقع، فلما خرجت بها أدركني يجر إزاره فقال: اشتريت؟، قلت: نعم، قال: أبيّن لك ما فيها، قلت: وما فيها؟ قال: إنها لسمينة ظاهرة الصحة، قال: أردت بها سفرا أو أردت بها لحما؟، قلت: أردت بها الحج، قال: فارتجعها، فقال صاحبها ما أردت إلى هذا أصلحك الله، تفسد علي، قال: إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: لا يحل لأحد يبيع شيئا إلا بين ما فيه، ولا يحل لمن علم ذلك إلا بينه»(صحيح الترغيب).




عدم تغرير التاجر بمن يتعامل معه


نهى الشارع التاجر الذي يقيم في الحضر عن أن يتولى بيع السلعة التي يجلبها البدوي، فقد روي عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «لا يبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض»(صحيح ابن ماجه)، أي لا يتولى هو عملية بيع السلع التي جلبها أهل القرى والبدو، لما في ذلك من إغلاء السلعة على أهل المدينة، وحرمان أهل القرى والمدن من مباشرة بيع سلعهم والمماكسة عليها، وقد سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن النهي الوارد في الحديث، فقال: «لا يكون له سمسارا»(صحيح البخاري)، أي لا يكون الحضري سمسارا للبدوي، وذلك لأن من أتى بالسلع من البادية إذا ترك وشأنه فإنه سيبيعها بسعر أقل مما سيبيعها به الحضري، بخلاف الحضري إذا تولى بيعها، فإنه سيغلي سعرها على الناس ويرهقهم بذلك، وهذا ينافي مقصود الشارع من معاملات الناس، كما نهى الشارع عن تلقي الجالبين للسلع قبل أن ينزلوا بها السوق، فقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار»(صحيح مسلم)، والنهي عن التلقي يتضمن أمرين: أولهما، النهي عن استغلال جهل الجالبين للسلع بسعر سلعهم في السوق، والنهي عن استغلال حاجة الناس الى السلع المجلوبة وإغلاء سعرها عليهم، ولذا فقد جعل لجالب السلعة الخيار بين إمضاء البيع أو رده إذا اتى سوق المدينة فوجد سعر سلعته فيه بخلاف ما باعها به.




عدم احتكار السلع التي تشتد حاجة الناس إليها


فقد نهى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن احتكار ما تشتد حاجة الناس إليه، وتوقعهم ندرته في حرج وضيق، ومن الأحاديث التي ورد النهي فيها عن الاحتكار: ما روي عن معمر بن عبدالله بن فضالة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: «لا يحتكر إلا خاطئ»(صحيح مسلم)، وروي عن عمر رضي الله عنه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: «من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس»(الترغيب والترهيب)، وروي عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «من احتكر طعاما أربعين ليلة، فقد برئ من الله وبرئ الله منه، وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعا، فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى»(الترغيب والترهيب)، وجمهور الفقهاء على أن ما يحرم احتكاره هو أقوات الآدميين والدواب، بينما يرى فريق من الفقهاء منهم المالكية حرمة احتكار كل ما يحتاجه الناس وإن لم يكن من قبيل الأقوات، فيدخل على هذا احتكار مواد البناء والأدوية والثياب والسلع الاستهلاكية ونحوها من كل ما يحتاجه الناس ويترتب على احتكاره ضيق لهم وعنت واضرار بهم.




عدم الحلف كذبا لترويج السلعة أو اقتطاع مال الغير بغير وجه حق


فقد روي عن أبي ذر رضي الله عنه عنه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، فقلت: من هم يا رسول الله فقد خابوا وخسروا، قال: المسبل إزاره، والمنان عطاءه والمنفق سلعته بالحلف الكاذب»(صحيح ابن ماجه)، ومعنى المنفق سلعته بالحلف الكاذب: أي من يحلف كاذبا لبيع سلعته، كما نهى الشارع عن الحلف الكاذب لأخذ مال الغير بغير حق، إذ روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «من حلف على يمين، وهو فيها فاجر، ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان»(صحيح البخاري).




الحذر من الدنيا


وذلك لأن ما ليس عند البائع ليس في ملكه، ولا يحل للإنسان أن يبيع ما لا يملك، لما روي عن يوسف بن ماهك أن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: «يا رسول الله يأتيني الرجل فيريد مني البيع ليس عندي، أفأبتاعه له من السوق، قال: لا تبع ما ليس عندك»(سنن أبي داود)، ومعنى هذا أنه يحرم على البائع أن يبيع شيئا ليس مملوكا له، إذ العندية في الحديث يقصد بها أن المبيع ليس في ملكه، وانما في ملك غيره.


الجذر من الربا


وذلك للنصوص الكثيرة من الكتاب الكريم والسنة المطهرة الدالة على حرمة المعاملات الربوية، من مثل قول الله تعالى: {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون}(البقرة: 278*279)، وقوله سبحانه: {وأحل الله البيع وحرم الربا}(البقرة: 275).




البعد عن الإضرار بأهل السوق من التجار


إذا لا يجوز للتاجر أن يبيع سلعته بأرخص مما يبيع أهل السوق، رغبة في الإضرار بهم، وإحداث الكساد لتجارتهم، وقد نهى عمر رضي الله عنه خليفة المسلمين التجار عن الإضرار بزملائهم في السوق، ببيع سلعهم بأرخص مما يبيع به سائرهم، فقد روي عن سعيد بن المسيب: «أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر على حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه وهو يبيع زبيبا له في السوق، فقال له عمر: إما أن تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا»(سنن البيهقي)، وما روي عن عمرو بن شعيب قال: «وجد عمر بن الخطاب حاطب بن أبي بلتعة يبيع الزبيب بالمدينة، فقال: كيف تبيع يا حاطب؟، فقال: مُدّين، فقال له عمر: تبتاعون بأبوابنا وأفنيتنا واسواقنا، وتقطعون في رقابنا، ثم تبيعون كيف شئتم، بع صاعاً وإلا فلا تبع في سوقنا، وإلا فسيرورا في الأرض واجلبوا ثم بيعوا كيف شئتم»(مصنف عبدالرزاق)، وقول عمر رضي الله عنه ذلك لحاطب يدل على حرمة مخالفة بعض البائعين للسعر الذي تواضع عليه سائرهم لبيع سلعهم به في السوق، ولهذا طلب عمر من حاطب الالتزام بنظام السوق في البيع، حتى لا يضر بمن يبيعون نفس السلعة، أو يجلب سلعته ثم يبيعها في أي موضع آخر غير السوق، وفي هذا حماية للبائعين حتى من زملائهم الذين يبيعون نفس السلعة في السوق.
أحدث أقدم